نجاح أوبرا "عطيل" في بونحتى لدى الشباب البعيدين عن الموسيقى الكلاسيكية
يظل عرض بون لأوبرا «أوتيللو» وفيًّا للإرث الموسيقي لفيردي، وفي الوقت ذاته ينجح في نقل أهمية هذا العمل إلى جمهور لم تعد الأوبرا الكلاسيكية مألوفة له. وبطبيعة الحال، تتمحور هذه الأوبرا أساسًا حول الموسيقى، غير أنها تتناول أيضًا موضوعات خالدة، بل راهنة للغاية، تُقدَّم من خلال رؤى حديثة ومعاصرة.
يُعدّ التينور الجورجي الأصل اونياني من الوجوه البارزة في أوبرا بون منذ سنوات طويلة. وقد سبق له أن عمل في La Scala في ميلانو، إلى جانب مشاركاته في العديد من دور الأوبرا المرموقة في أوروبا. وقد جسّد الدور الرئيسي، دور أوتيللو، بإخلاص عاطفي عميق ودقة فنية عالية. ويُعد بحق من الفنانين المحبوبين لدى جمهور مدينته المختارة بون، حيث يقيم ويعمل منذ زمن.
أما المغنية الجديدة في الفرقة، كاثرين هنري، فقد أدّت بصفتها بريما دونا الدور الرئيسي لدِزديمونا. وقد اجتازت السوبرانو الأمريكية الشابة ظهورها الأول في بون، وبالتالي في أوروبا، بنجاح لافت. إذ أمضت عامًا كاملًا في التحضير لهذا الدور، وسافرت إلى إيطاليا وفيينا لإجراء بحوث واكتساب خبرات جديدة. وذكرت في مقابلة مع صحيفة «بونر غينرال-أنتسايغر» في شهر مارس أن عملها في بون يتمتع بقدر أكبر من الحرية، ويخلو نسبيًا من التوتر والضغوط مقارنةً بالولايات المتحدة. كما أشارت إلى أن من أبرز الفوارق وجود عدد أكبر بكثير من دور الأوبرا في ألمانيا. غير أنه ينبغي الإشارة نقديًا إلى أن تنوع دور الأوبرا في ألمانيا، بما في ذلك بون، مهدَّد بالفعل نتيجة شُحّ الموارد المالية وتضخم البيروقراطية. ولا تتوافر حتى الآن معطيات موثَّقة تؤكد ذلك، غير أن ثمة تكهنات مقلقة في هذا الصدد.
وكما جرت العادة، تألق المدير الموسيقي ديرك كافتان مع أوركسترا بيتهوفين بفضل ما أظهراه من براعة واحترافية. فكان الأداء الموسيقي للعرض ممتازًا تحت إشرافه. استطاعت الأوركسترا أن تنقل بمهارة الصراع الداخلي لعطيل من خلال الموسيقى المرافقة، حيث كانت الحركات الديناميكية للأوركسترا تتغير بشكل متسارع لتواكب التغيرات النفسية لأبطال القصة.
بَذَلَ المخرج ليو موسكاتو جُهداً في خلق عمل مركّز مليء بالعمق والدراما، بينما كان في أعماله السابقة ملتزماً بالمرح بل وبالسهولة أيضاً.
تمثل أوبرا عطيل لجوزيبي فيردي أحد أهم الأعمال في تاريخ الأوبرا الغربية، كونها تدمج بين الدراما العاطفية العميقة والموسيقى التي تعكس تعقيدات الشخصيات وصراعاتها الداخلية. عرض عطيل في بون كان فرصة ثمينة لاكتشاف كيف يمكن للأوبرا أن تعبر عن مسألة الإقصاء الاجتماعي، التلاعب النفسي، ومواضيع مثل الغيرة والتضحية. في هذا التقرير، سنتناول التحليل الموسيقي والدرامي لهذا العرض، ونحلل الطريقة التي تمت بها معالجة الموضوعات المختلفة في هذا السياق.
أوبرا عطيل تستند إلى مسرحية "عطيل" للكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، حيث يدور العمل حول شخصية الجنرال عطيل من البندقية الذي يقع ضحية للمكائد التي يحيكها مساعده إياغو، فيقوده هذا إلى الشك والغيرة القاتلة تجاه زوجته ديزديمونا. تركيبة الأوبرا دراميًا محورية على علاقة عطيل المركبة مع نفسه ومع محيطه، ويعكس الصراع النفسي الداخلي للأبطال من خلال الموسيقى، وهو ما يعكس معضلات شكسبير في موضوعات مثل الشرف، والخيانة، والعدالة.
في عرض بون، تم تكثيف هذا الصراع النفسي، حيث كان التركيز الأساسي على التوتر بين الشخصيات الرئيسية. تم استحضار بيئة الحرب والفوضى النفسية داخل الأوبرا عبر استخدام مسرحية بصرية ذكية وسينوغرافيا متقنة، حيث تم تمثيل الصراع النفسي لعطيل من خلال التصميمات البسيطة، التي كان فيها الضوء يلعب دورًا محوريًا في تصوير تزايد الضغوط النفسية على البطل. تم استغلال هذه الأجواء لتسليط الضوء على مدى انهيار عطيل تدريجيًا، وتورطه في شباك الكذب والتهديد التي ينسجها إياغو.
استخدم فيردي تدرجات لحنية قوية لتعكس الجنون الذي بدأ يتسلل إلى عقل عطيل، وخصوصًا في مشهد "الغيرة"، الذي كان من أبرز اللحظات الموسيقية في العرض، حيث بدأ الصوت يتنقل بين الأوتار العالية والمنخفضة ليعكس تحول مشاعر الشخصية من الحب إلى الكراهية.
تأثير إياغو في العرض كان واضحًا بشكل موسيقي أيضًا، حيث نغمة الفوضى والعزلة التي يزرعها في عطيل تتناغم بشكل محكم مع الألحان المشوهة والمعقدة التي يقدمها الأوركسترا. وكان لحن "الـ"كريدو" الشهير الذي يؤديه إياغو في مشهد "الاعتراف" انعكاسًا للمفهوم الشرير والتلاعب بالنفوس الذي يهيمن على شخصيته.
واحدة من أعمق الطبقات الرمزية في عطيل هي مسألة العرق. عطيل، الذي يأتي من خلفية عرقية وثقافية مختلفة عن بقية الشخصيات في القصة، يواجه التهميش الاجتماعي والنظرة العنصرية التي يفرضها المجتمع الفينيسي عليه. في العرض الذي شهدته بون، كانت هذه الأبعاد العرقية حاضرة بشكل قوي من خلال الإضاءة والمكان، حيث كان يظهر عطيل كغريب وسط عالم يرفضه. من خلال هذه الرمزية، كان العرض يلمح إلى القضايا المعاصرة المتعلقة بالعنصرية والتهميش في المجتمع، مما يجعل القصة أكثر قربًا وتفاعلًا مع الجمهور في العصر الحديث.
المسرحية الغنائية «توتسي» في أوبرا بون
ذكية وممتعة
احتفلت المسرحية الغنائية توتسي بعرضها الأوروبي الأول عام 2022 في مدينة ميونيخ، وهي تُقدَّم حاليًا أيضًا على خشبات مسارح ألمانية أخرى، من بينها أوبرا بون، حيث لفتت الأنظار مؤخرًا من خلال تعاون بالغ النجاح مع أحد مسارح ميونيخ. تسرد المسرحية قصة الممثل مايكل دورسي، الذي لا يحقق النجاح إلا بعد أن يتنكر في هيئة امرأة تحت اسم «دوروثي مايكلز». وسنعود إلى هذا التفصيل لاحقًا. وعلى هامش ذلك، يقع في حب زميلته الجميلة والموهوبة في التمثيل، مما يولّد مواقف طريفة ومفارِقة، إذ إنه لا يميل لا إلى علاقة مثلية نسوية ولا إلى علاقة مثلية ذكورية..
كتب النص المسرحي الكاتب الأمريكي روبرت هورن، بينما وضع الموسيقى وكلمات الأغاني الأمريكي ديفيد يازبِك. أما النسخة الألمانية فهي من إعداد رومان هينتسه، وتولى يورغن غريم الإدارة الموسيقية في بون، في حين جاءت الإخراجات الموفقة بتوقيع غيل مهمرت.
أُنتج فيلم توتسي عام 1982، ولعب دور البطولة فيه نجم السينما داستن هوفمان. ولم يكن الفيلم عملًا اعتياديًا، بل اكتسب مع مرور الزمن طابعًا أيقونيًا فقصته، على بساطتها، كانت في آنٍ واحد مدهشة ومؤثرة: ممثل فاشل، يعاني من ندرة، بل شبه انعدام العروض، فيغرق في تساؤلات وجودية ومهنية حول مستقبله الفني وحياته الخاصة. ويعود أحد الأسباب الجوهرية لإخفاقه إلى تصلبه وانعدام مرونته، سواء على المستوى الفني أو الشخصي، الأمر الذي أدى إلى عزله عن محيطه. وفجأة تخطر له فكرة غير مألوفة: أن يتنكر في هيئة امرأة ليؤدي أدوارًا نسائية، وكان ذلك بهدف التقدم لاختبار أداء في عمل موسيقي مستوحى من روميو وجولييت.
ومن اللافت تاريخيًا أن تجسيد الرجال للأدوار النسائية كان أمرًا شائعًا في زمن شكسبير، بدافع التقاليد وما كان يُعرف آنذاك بـ«حسن الأخلاق». والمدهش في الفيلم أن هذا التنكر أتاح للممثل الذي طالما أخفق أن يصنع مسيرة فنية صاعدة بشكل لافت. وقد وصف داستن هوفمان أصل فكرة فيلم توتسي(1982) بأنها تجربة ذهنية: كيف سيكون حاله لو وُلد امرأة؟ وعندما ارتدى للمرة الأولى زيّ الشخصية النسائية، كان قلقه الأكبر منصبًا على مسألة الجاذبية. إذ كان معيار الجمال، ولا سيما في ذلك الزمن، الشرط الأساسي لنجاح الممثلة، بينما كانت القدرة الفنية تأتي في مرتبة ثانية.
وبعد أربعين عامًا، عاد توتسي ليُبهر الجمهور مجددًا، ولكن هذه المرة في صيغة مسرحية غنائية. وهو عمل يشكل تحديًا فكريًا وترفيهيًا في آنٍ واحد، سواء للممثل الرئيسي أو للجمهور. وقد عولجت المعضلة المركزية في المسرحية بأسلوب ساخر، من دون الانزلاق إلى السطحية. فمن خلال تبادل الأدوار الجندرية، يتمكن مايكل من إنقاذ مسيرته، لكنه يُجبر في المقابل على خوض تجربة جوهرية: أن يُرى ويُعامَل كامرأة. وبصفته «دوروثي»، يختبر مباشرةً التحديات التي تواجه الممثلات كالتحرش الجنسي..
نجحت مسرحية توتسي الغنائية في المزج على مستوى عالٍ بين تقاليد برودواي الكلاسيكية والسخرية المعاصرة. فالأغاني لا تؤدي وظيفة تزيينية فحسب، بل تعمل كتعليقات تحليلية على مجرى الأحداث. ويبرز بشكل خاص التلاحم بين الكوميديا الخارجية والتراجيديا الداخلية: فالوضع في جوهره مضحك، بل مثير للشفقة، غير أن المعالجة الفنية تمنحه مزيجًا إنسانيًا كريمًا من الإمكان والوهم، وذلك بروح دعابة ذكية ومتماسكة.
في مجمله، يتجاوز توتسي كونه مجرد كوميديا أو إعادة إنتاج لكليشيهات مسرحية مألوفة. إنه عمل متعدد الطبقات يتناول الإبداع الفني في أزمنة هشّة، ويطرح أسئلة حول القيم الأخلاقية، والخداع، وتحمل المسؤولية. ومن هنا تنبع راهنيته الواضحة، المقترنة بعمق فكري ملموس. فالمسرحية الغنائية توتسي تمثل معالجة ذكية وعميقة لقضايا الهوية، والأدوار الجندرية، والنزاهة الفنية.
وعلى خلاف الأوبرا الكلاسيكية، ولا سيما الإيطالية منها، التي يرتادها في الغالب جمهور متقدم في السن، كان جمهور توتسي في بون شابًا في معظمه، وأكثر حيوية وحماسة واستعدادًا للتفاعل. وهو ما يُعد في جوهره نجاحًا يُحسب لإدارة أوبرا بون.
Guter Film aus Palästina
نابوكو
انطلاق عظمة فيردي الأوبرالية من أرضية الهيمنة والحب والأيمان
جوزيبي فيردي (ولد في أكتوبر 1813 في لو رونكول ، وتوفي في يناير 1901 في ميلانو) كان ملحنا إيطاليا من الفترة الرومانسية ، قام بتأليف مجموعة كبيرة من أعمال الأوبرا الشهيرة عالميا مثل ريغوليتو وعايدة وأوتيلو وفالساف. تعتبر أوبرا نابوكو ، تحولا كبيرا لدى فيردي من كونه مؤلفا لأعمال سطحية غير معروفة إلى الالتزام بالروح الفكرية المبنية على الحرية والوطنية.. على الرغم من أن الخلفية التاريخية لنابوكو لا علاقة لها بمصير وطنه ، إلا أن قطعة الأوبرا هذه هي تكريم خفي وغير منمق لإيطاليا ، التي ختمت وحدتها في عام 1870 بعد قرون من الخلاف والنشقاق وانعدام الأهمية على المستويين المحلي والإقليمي . المعروف أن الفيلسوف والمفكر السياسي مكيافيلي الدي عاش إبان عصر النهضة كتب الكثير حول ضرورة انتقال إيطاليا من عهد التخلف الى عهد التقدم والحداثة وكان يطمح في وصول ما سماه "الأمير الجديد" الى رأس السلطة بهدف تحقيق وحدة البلاد. وتمت المقارنة بين معاناة الشعب الأيطالي حتى القرن التاسع عشر وبين مصير العبرانيين الدين أسرهم نابوكو بعد أن فرض نفسه الها يهيمن على الكوكب الأرضي بكامله.
يمثل إنتاج نابوكو بداية الجزء الإيطالي من برنامج الأوبرا في بون لموسم 2025/26. يتبع ذلك أوتيلو (أيضا من قبل فيردي) وحلاق إشبيلية لروسيني ، بالإضافة إلى العديد من أعمال بوتشيني مثل الفراشة وتوسكا.
كان بارتولوميو ميريلي ، مدير دار الأوبرا سكالا في ميلانو ، قد نجح أخيرا عام 1842 في اقناع فيردي بتلحين نابوكو وهي أوبرا تتناول مواضيع السلطة والحب والايمان وكدلك الاستبداد والغدر والكراهية . أثبتت هذه الأوبرا نجاحا مثيرا وتم الاعتراف بقدرات فيردي دوليا أيضا لما جعله من كبار رواد الأوبرا الإيطالية. على سبيل المثال ، كان الكورال المشهور ("ارتق ، فكر ، على الأجنحة الذهبية") بمثابة النشيد الوطني الإيطالي ، احتجاجا على الاستبداد والانقسام والتعسف السياسي. لكن يبدو أن الدين لعب في آخر المطاف دورا أكبر مما أوردته الوقائع التاريخية. حيث تم انقاد نابوكو لروحه ولعرشه من خلال تخليه عن الادعاء بأنه قد أصبح الها ومن خلال تبنيه لفكرة وحدانية الرب المعروفة لدى الأديان السماوية.
لا يمكن اختزال التقاليد الأوبرالية الإيطالية في ليبريتو الحب الجمالي البحت. بدلا من ذلك ، فإنه يقدم أيضا قطاعات بطولية ووطنية وسياسية ومأساوية. شكلت أوبرا نابوكو نقطة تحول في حياة فيردي وعمله ، بعد أن تأثر بشدة عقليا وجسديا بضربات مصيرية عميقة مثل وفاة زوجته وطفليه.
من هذا المنطلق ، كانت أوبرا نابوكو عملا رائعا لا من الناحية الأوبرالية أي الفنية فقط بل جزءا كبيرا أيضا من التراثين السياسي والوطني لإيطاليا.
ركز رولاند شواب في عمله الإخراجي ، على الأسر البابلي وقوة الأقوى. الأسر هو الوجود المادي ورمز للاضطهاد و إساءة استخدام السلطة. والعناصر الأخرى هي المطالبة بالسلطة والتنظيم الديني أو السياسي.
وبهذه الطريقة ، ينجح شواب في التركيز ليس فقط على العوامل الخارجية التي مرت بايطاليا ، بل أيضا على الصراعات الداخلية والنفسية للشخصيات التي لعبت أدورا هامة في هده الأوبرا وأهمها الحاكم الطاغي نابوكو وابنتاه احداهما طيبة والثانية شريرة ثم إسماعيل الدي حبته كلا الابنتين فيما غرم هو بالبنت "الطيبة".
اتسم تصميم المسرح في بون بالوضوح البعيد عن المبالغة والتنميق. ولعل البعض من النقاد لم تعجبه البساطة البالغة للديكور والجو المظلم الدي هيمن على المسرح. لكن الحقيقة هي أن الخلفية التراجيدية للمحتوى الأوبرالي لم تسمح بعرض أجواء أفضل من الناحية الجمالية.
تلتزم حبكة نابوكو في بون بأمانة ودقة بنسخة فيردي الأصلية: تم تحديد الصراعات على السلطة والتمرد والخيانة والأبعاد الدينية والتاريخية بوضوح.
لعب العازف المنفرد النجم امارتوشين انكابات وهو من جمهورية منغوليا الواقعة في وسط آسيا دور نابوكو على نحو رائع غير مسبوق وغنى الدور بشكل مثير للإعجاب قوي وأصيل.
بالمناسبة ، كانت شخصية نابوكو نموذجا للعديد من الجهات الفاعلة السياسية. على سبيل المثال، أراد الرئيس العراقي صدام حسين، الذي أطاح به الغزو الأميركي في عام 2003، نقل عظمة بابل القديمة وقوتها فوق الإقليمية إلى عراق عربي معاصر طوال حياته. كما أن الكثير من حركات التحرر من قيود الاستعمار والطغيان في القرنين العشرين والواحد وعشرين استقت هده الأوبرا كمصدر وحافز للحرية سواء في افريقيا أو الشرق الأوسط او في قارة أمريكا اللاتينية.
اعترافات المحتال كرول للأديب الألماني توماس مان في "مسرح الورشة" في مدينة بون
اوبرا القروش الثلاثة لبريشت
بين المسرح المرح والفكر الأيديولوجي
تعتبر مسرحية اوبرا القروش الثلاثة من أهم المسرحيات السياسية الملتزمة عامة ولدى بريشت على وجه خاص. يقول الناقد المسرحي عصمان فارس: كان بريشت في مسرحه السياسي ونظريته في المسرح الملحمي مبدعا ثوريا. وهذه اوبرا غنائية الفها برتولد بريشت سنة 1928، والمسرحية عبارة عن ثلاثة فصول ومجموعة كبيرة من الاغاني، ويعتبر الكثير من النقاد علي ان هذه المسرحية جعلت بريشت معروفا لدي عموم الناس .قائد الأوركسترا دانييل يوهانس ماير نسق عمله الموسيقي بنجاح كبير بين إدارة اوركسترا بيتهوفين المصغرة وفرقة الممثلين على سدة المسرح.
أعد مخرج هده المسرحية في بون سيمون زولبيرغ على نمط الأوبرا الشعبية لا التقليدية الملاحظ أن كل الممثلين ما عدا لوسي ابنة مدير الشرطة ليسوا مغنين محترفين. هكذا شاء بريشت اكساب الأوبرا طابعا حيا. كما أن أداء ممثل دار الشحاذين المحترفين كارادينيس كان متميزا. وأبدع الممثل دانيل شتوك في تمثيل دور ماكي ميسر .
هدف بريشت من وراء هذه المسرحية الشعبية الابتعاد عن النمط التقليدي للأوبرا الغربية باعتباره يتسم بالوقوف مع الطبقات البورجوازية والى حد ما حتى الأرستقراطية . هدفه كان اذن اعداد أوبرا بسمة شعبية وبأسلوب يفهمه الشعب. يعود ذلك لكون بريشت من أعمدة الفنانين والمثقفين ذوي النزعة اليسارية وتحديدا الماركسية. لكن السؤال يطرح نفسه عما إذا فهمت عامة الشعب وخاصة الطبقات العمالية ذات التعليم المتدني محتوى هذه الأوبرا ومغزاها العقائدي الصعب.
تعتبر هذه المسرحية درامية وكوميدية في نفس الوقت وتتألف من عناصر فنية مختلفة مثل الغناء والموسيقى والرقص وغيرها من الأشكال الفنية. لكنها تتضمن في الأساس رسالة فكرية وسياسية ذات طابع اجتماعي واقتصادي حيث تتناول مصير الطبقات الفقيرة ماديا ومعنويا والتي لا تملك في الواقع حقوقا سياسية أو اجتماعية على عكس الطبقات البورجوازية الغنية ذات العلاقة الحميمة بأصحاب السلطة.
بناء على رؤية بريشت امتلك الأغنياء السلطة دوما أما الفقراء فيبقون في معظم الأحوال فقراء مما يعني فقدانهم الأبدي للنفوذ. هكذا كان الحال عام 1837 في حي سوهو في لندن أو في برلين في العقود التي عاش فيها بريشت هناك. من أهم الشعارات التي أطلقها بريشت في هده المسرحية الأوبرالية "الأكل أولا وبعد دلك القيم الأخلاقية" . يعني بأن الفقراء الكادحين يريدون أن تتوفر لهم أبسط درجات الحياة كالأكل والسكن والملابس الخ. وبعد دلك يمكن مطالبتهم بالعمل وفقا للقوانين والتعليمات الحكومية. من الشعارات الأخرى التي رددها بريشت في أعماله الأدبية ومؤتمراته الصحفية والكتب والمقالات التي ألفها أن انشاء مصرف مالي يعد تحايلا أكبر من السطو على المصرف باعتبار أن أصحاب البنوك يستخدمون أسوأ أساليب الخدعة للحصول على أموال الناس.
تدور احداث هذه المسرحية كما سبق القول في حي سوهو بلندن وهو حي الفقراء والخارجين عن القانون، حيث يسعى اللص والقاتل وصاعي دار كبيرة للدعارة ماكي ماكهميت المسمى ماكي ميسر الى تدبير أموره مع العصابة التي يتزعمها ببطش أحيانا وبنهج انساني أحيانا أخرى. منافسه بيتشام يملك شركة للشحاذين الكادحين في بعض الأحيان والنصابين في أحيان أخرى كثيرة. وهناك منافسة كبيرة وخطيرة بين الشخصين خصوصا أن ميسر وقع في حب ابنة منافسه وتزوجها رغما عن إرادة والديها. لاحق الأب منافسه لكن مدير الشرطة صديق حميم لصاحب العصابة. في النهاية يسلم ميسر للشرطة ولكن الملكة تأمر بالعفو عنه وتمنحه لقبا أرستقراطيا. نلاحظ هنا استخدام بريشت لهده النهاية السعيدة لكي يسخر من الأوبرا التقليدية التي تهتم في الأغلب بالجمال وحسن الأوضاع ولا تكترث بسوء الأحوال الاجتماعية للفقراء.
TOSCA توسكا
دراما حول الحب والغيرة والطغيان: أوبرا توسكا
أوبرا بون لكوميديا من ريشارد فاغنر
عارف حجاج
ملحمة الشينا في دار بون للاوبرا، حب وغدر وانتقام
مهرجان بيتهوفين لعام 2024
انفتاح حذر نحو الحداثة وملحنون شباب محط الأنظار
بقلم د. عارف حجاج
يحمل مهرجان بيتهوفين اسم أحد مشاهير الموسيقى الكلاسيكية في كل العالم من ألمانيا الى اليابان ومن بطرسبورغ حتى الأرجنتين. لكن هذه التسمية لا تمنع من مشاركة عباقرة موسيقى آخرين من العهود الكلاسيكية والرومانسية وعصري الباروك والحداثة. لهذا لم يكن مدهشا أن الباروك وتحديدا نجمه الأكبر يوهان سبستيان باخ Bach قد لعب في مهرجان هذا العام السنوي دورا بارزا. مقر المهرجان كالمعتاد مدينة بون الواقعة على ضفاف نهر الراين.
مثالان على ذلك. قدمت عازفة الكمان إزابيل فاوست Faust المنحدرة من جنوب غرب ألمانيا مقطوعات قديمة وصعبة لباخ في كنيسة كرويتس (الصليب) البروتستانتية. عندما نقول صعبة نعني أولا أن تلك المقطوعات عزفت بالكمان وحده وليس بمشاركة البيانو أو حتى بأدوات موسيقية أخرى كما جرت العادة. لكن فاوست أبدعت في عرضها للجمل الموسيقية المختلفة بين البطيء والسريع وبين الحزين والمرح مما جعل المستمع يفترض بأنها تستخدم في العزف آلتي كمان لا آلة واحدة. وقد اعتقد بعض خبراء الموسيقى بأن باخ ألف هذه القطع لتكون أمثلة نموذجية شائكة لمن يتعلمون العزف على الكمان. ويقال إن الملحن المشهور برامز Brahms كتب في رسالة موجهة لزميلته كلارا شومان Schumann بأنه أعجب بتلك المقطوعات ولكنه لم يتمكن من استيعابها بالشكل الكافي. ويعول بعض علماء الموسيقى استخدام آلة كمان وحيدة بخطأ في استخدام اللغة الإيطالية حيث استخدم باخ مصطلح Solo الإيطالي ( وحيد) بمعناه الآخر "فقط". أبدعت فاوست في حفلة موسيقية أخرى أقامتها في المهرجان جوقة بامبيرغ Bamberger Symphoniker. ويمكن القول من الآن إن فاوست باتت من حيث الموهبة والقدرة اللوجستية خليفة شرعية لملكة عازفات الكمان اني صوفي موتر Anne-Sophie Mutter الألمانية التي ترعرعت موسيقيا تحت يد المايسترو النمساوي الشهير كاريان.
المثال الآخر هو قدّاس كنسي لباخ يشكل الأساس النظري لأعمال كنسية أخرى ابتدعها باخ. تبوأت "أوركسترا موسيقى الباروك القديمة" لمدينة فرايبورغ الواقعة في الجنوب الغربي من ألمانيا هذا العمل الموسيقي الكنسي البارز. لم يقتصر الأمر على الموسيقى الكنسية بشتى أنواع الأدوات الموسيقية بل شمل أيضا غناء الكورال من النساء والرجال والغناء المنفرد. وقد أعجب الجمهور على نحو خاص بمغن شاب غنى على نمط ما يسمى "كاسترات" Kastrat الذي اشتهر خاصة في القرن الثامن عشر. هناك أقلية من المغنين يملكون الموهبة لأداء هذا النمط الغنائي بالسليقة وبحكم التدريب المتواصل. أما لغة هذه الملحمة فكانت اللاتينية مما جعل البعض يلقبها بالملحمة الكاثوليكية. يقال إن هذه التسمية تعود الى استخدام اللغة اللاتينية لا اللغة الألمانية كما خمن بعض المحللين بأن باخ شاء أن تفتتح الملحمة في مدينة روما وهي محور اللغة اللاتينية والمذهب الكاثوليكي في آن واحد. المعروف أن هذه الملحمة الكنسية كانت الأساس الذي ارتكزت عليه بعض الأعمال الكنسية لبيتهوفين مثل Missa solemnis.
النجم اللامع في مهرجان هذا العام شاب موهوب ينحدر من مدينة بون هو فابيان مولر Fabian Müller الذي نال مجموعة كبيرة من الجوائز الفنية واشترك في عدد كبير من المهرجانات الموسيقية في ألمانيا وأوروبا. مولر عازف بيانو ومايسترو وقد قدم في "ماراثون موسيقي" في اطار مهرجان بيتهوفين لهذا العام كل سونات البيانو ألبالغ عددها 32 قطعة والتي لحنها بيتهوفين وبعضا من أعماله أيضا. وأكبر دليل على نبوغه الفني أن عازف البيانو والمايسترو الشهير دانييل بارنبويم Daniel Barenboim كلفه بتقديم هذه السونات في برلين. المعروف أن بارنبويم كان قد أسس مع العالم الفلسطيني الأمريكي ادوارد سعيد "ديوان الشرق والغرب" الساعي لتحقيق سلام مبني على العدالة والمساواة بين إسرائيل والشعب الفلسطيني. الجدير بالذكر أن مولر عزف بجانب السونات بعضا من عماله الشخصية أطلق عليها بتواضع كبير تسمية "لا تستحق الذكر". وقد حرص مولر في تفسيره الموسيقي للسونات إظهار صفتين غير معروفتين كثيرا لدى بيتهوفين هما ولعه بالمنهج الموسيقي „الخفيف" بجانب أعماله الدرامية وميله للمرح والفكاهة التي يتسم بها عادة سكان رينانيا أي حوض نهر الراين.
لم يتضمن برنامج المهرجان الموسيقى الكلاسيكية بالمفهوم التقليدي فقط بل قدم عروضا من "الموسيقى الجديدة". فعزفت أوركسترا هولندية تسمى Residentie Orkest قطعة تسمى "دعابة دون حدود" للملحن الأمريكي جون ادامز John Adams الذي ولد عام 1947. لم تتسم القطعة بالطابع الإليكتروني أو التجريبي المطلق بل جاءت بمثابة مزج بين الجديد والقديم . جاء الإيقاع سيمتريا ومتناسقا من حيث النغم والتنوع الموسيقي. ولا شك أن هذه الموسيقى ما زالت بعيدة عن تقبل اجيال ما فوق الستين او السبعين لكنها تخاطب الشباب الذي يرون فيها مزيجا محببا بين الكلاسيك والبوب. تجسد موسيقى آدامز العناصر المنيمالية، لكنها تعكس أيضا تيارات المقامية والتراكيب التطورية واسعة النطاق التي تميزت بها أعماله منذ التسعينيات.
قدم عازف البيانو البرليني الشاب مارتين هيلمشين Martin Helmchen الذي يبلغ 44 عاما من العمر بالإضافة الى سونات مشهورة وصعبة الى درجة كبيرة قطعة موسيقية للملحنة التتارية صوفيا غوبايدولينا Sofia Gubaidulina تدعى "شاكون" أعجب بها الجمهور لكونها اتسمت بالطابع الميلودي الحيوي والمرح في آن واحد. ,كانت سونات بيتهوفين المسماة "ضوء القمر" أكثر ما حاز على اعجاب الجمهور خاصة أن هذه السونات تعتبر إنتاجا أيقونيا لمرحلة انتقال الموسيقى من العهد الكلاسيكي الى العهد الرومانسي.
جاء تمثيل الموسيقى "الشرقية" هذا العام ضئيلا مقارنة بالأعوام الماضية على عكس الحال في السنوات الماضية فقد اقتصر على ملحنين وعازفي بيانومن تركيا هما فاضل ساي وأمير شبيلمان المشهورين بتلحين القطع الموسيقية الحديثة والقطع التي تشكل مزيجا بين التلحينين الشرقي والغربي. من أجمل القطع التي جرى ساي على عزفها "موسيقى المسيرة التركية" التي ألفها موتزارت. المعروف أن فاضل ساي من الناشطين أيضا في مجال الدفاع عن حقوق الانسان وقد أدان الحرب الإسرائيلية في غزة مما أدى الى الغاء حفل موسيقي له في احدى المدن السويسرية.
تضمن المهرجان كذلك مناظرات حول الشؤون السياسية والثقافية والاجتماعية تطرق أحدها الى انعكاسات السابع من أكتوبر على الأجواء الفنية والثقافية في ألمانيا وأوروبا. شارك في المنظرة أستاذ يعمل في أكاديمية بارينبويم- ادوارد سعيد وأستاذة جامعية أخرى من المعهد الموسيقي لمدينة سالزبورغ وخبير ثالث مختص بالعلاقة بين الفن والسياسة. أشار نص الدعوة الى أحداث السابع من أكتوبر دون التطرق ولو هامشيا الى المأساة المترتبة عن حرب إسرائيل في غزة منذ الثامن من أكتوبر حتى هذا اليوم، مما أدى الى اعتراض جانب من الحضور. كما تحفظ الخبير الثالث على تركيز العاملين في السياسة والاعلام في ألمانيا على تهمة معاداة بي دي اسالسامية مؤكدا بأن هذا الاستخدام العشوائي المتكرر يشكل خطأ في حد ذاته كما انتقد لجوء الساسة الألمان عادة الى وضع حركة بي دي اس تلقائيا في خانة معاداة السامية
في اوبرا بون Christoph Columbus كريستوف كولومبوس
بين الأمجاد والاستعمار
Christoph Columbus
ينحدر كولومبوس
من عائلة فقيرة من المنطقة المجاورة لميناء جنوا الشهير. كثيرا ما تردد على هذه المدينة التي أعجب
بجمالها وبمينائها الحافل بالسفن الكبيرة والصغيرة وكان يحلم بركوب احدى تلك السفن الكبيرة الممتلئة بالبحارة والمسافرين ليتوجه عبر البحار والمحيطات الى بلدان بعيدة لها حضارات وتقاليد ولغات لا تمت بصلة الى الأجواء التي عرفها في جنوا وغيرها من المدن الإيطالية. اما حلمه الأكبر فكان الوصول الى الهند التي دلت القصص والأساطير القديمة بأنها غنية في ثرواتها الطبيعية وحضاراتها الهندوسية القديمة وقصورها العريقة وطبيعتها الخلابة. حاول المغامر تمويل حملة الاكتشاف لدى العديد من ملوك أوروبا وأمرائها ولدى الكنيسة الكاثوليكية في روما لكن ردود الفعل جاءت دوما سلبية والكثيرون منهم سخروا منه واعتبروه أبلها محتالا. أخيرا وجد استجابة لطلبه لدى ملك اسبانيا فرناندو Fernando وقرينته ازابيلا Isabella اللذين طمعا بعد انهائهما الحكم الإسلامي العربي في اسبانيا في الاستيلاء على دول ومناطق عديدة أخرى من العالم.
شهدت دار الأوبرا لمدينة بون ملحمة قصيرة مبنية على سيرة حياة كولومبوس وقصة اكتشافه "بالخطأ" للقارة الأمريكية في نهاية القرن 15. حيث أنه اعتقد بأن الأرض مسطحة لا مستديرة فتوجه غربا عبر المحيط الأطلسي بدلا من التوجه شرقا في اتجاه المحيط الهندي. لهذا أطلق على السكان الأصليين لقارة أمريكا اللاتينية التي اكتشفها لقب "الهنود" او تحديدا "انديوز" Indios. أظهرت الملحمة الأوبرالية وحشية القوات الإسبانية تجاه السكان الأصليين وعاداتهم وتقاليدهم الثقافية والدينية فلم ترحم الكبار او الصغار ولا الأطفال والنساء ومنعتهم في الأغلب حتى من ممارسة طقوسهم الدينية وعمدت الكنيسة الى اجبارهم على تبني الديانة المسيحية بالقوة والقمع. اظهر تصميم الديكور فوق منصة المسرح تماثيل ولوحات فنية تدل على درجة عالية من الفن والحضارة في دول القارة التي تعرضت للغزو والبطش. لكن الغزاة لم يعطوا تلك الحضارات اقل درجة من العناية والتقدير حيث دمروا جزءا كبيرا منها كما قتلوا ملايين من السكان الأصليين لأبسط الأسباب خاصة عندما امتنع بعضهم عن تقبل حكم الغزاة ودينهم وعاداتهم ولغتهم الاسبانية.
نجح كولومبوس في الغزو وان أخطأ كثيرا في تحديد جغرافية المناطق الجديدة. وأخطأ أكثر بكثير في حكم وإدارة القارة الجديدة مما زاد من استياء وتمرد السكان، الأمر الذي أدى الى اقالته من الحكم كنائب لملك اسبانيا هناك. ولقي حتفه في حالة اكتئاب نفسي كبير وبعد اصابته بمرض خطير.
لحن هذه الأوبرا الموسيقار الألماني فيرنير أيك Werner Egk وتزامن ذلك مع وصول النازيين الى الحكم في ألمانيا علما بانه ايد ذلك النظام علنا. وقد نظر الكثيرون نظرة سلبية له بعد انتهاء الحرب بسبب موقفه السياسي لكن ذلك لم يمنعهم من الاعتراف بموهبته الموسيقية الكبيرة. لهذا عرضت بعض أعماله فوق مسارح المانيا ووجدت اقبالا كبيرا من الجمهور خاصة لكون ألحانه الموسيقة مزجت بنجاح غير مألوف بين العصرين الكلاسيكي والحديث.
جاء الاخراج المسرحي مزيجا بين العمل الغنائي والتمثيلي وبين الوسائل التقنية الحديثة مثل الفيديوهات. حيث رأى المتفرجون لقطات تدين مثلا الغزوين الأمريكيين تحت قيادة الرئيس الابن جورج بوش لأفغانستان والعراق لأنهما تما تحت اعذار هشة كاذبة. وقد ربطت هذه اللقطات بين الاستعمارين القديم والعصري.
عارف حجاج
لجوء من بؤس مدقع إلى عناء في فردوس منشود
اوبرا الفراشة وريغوليتو في مسارح بون
عبرت ملحمة بوتشيني „مدام باترفلاي في مدينة بون عن الفروق الثقافية والتراثية بين الشرق والغرب وأكسبت التقاليد الشرقية طابعا مثاليا يفوق ربما الواقع الحي. كما كشفت بأسلوب مجازي عن معالم العنصرية والاستعلاء العرقي في الغرب تجاه الثقافات والتقاليد والأديان الأخرى كالبوذية أو الاسلام. كما شهدت دار الأوبرا المذكورة قطعة درامية اخرى هي "ريغوليتو" لموسيقار الأوبرا الأكثر شهرة جوزيبي فيردي حول نفاق مفاهيم المعايير والاخلاص في العلاقة بين النبلاء وعامة الشعب.
جسدت رائعة الموسيقار الايطالي الشهير جاكومو بوتشيني المسماة „مدام باترفلاي" دوامةالحب والخيانة والتضحية. لم يبخل المخرج مارك دانييل هيرش Marc Daniel Hirsch في هذه الدراما (مدام باترفلاي أي الفراشة) في نقد العقلية السائدة في الولايات المتحدة مستخدما العديد من القوالب النمطية فأظهر نمط الحياة في اليابان بسيطا وأصليا مقارنة بالصلف والغطرسة لدى ضابط بحرية أمريكي كلف بأداء مهمة عسكرية مؤقتة زمنيا في مدينة ناغازاكي اليابانية لفترة وجيزة. لعبت الأمريكية من أصول أفريقية نواه Noah دور الفراشة فأبدعت كثيرا. وناب التينور جورج اونياني George Omiani عن المكلف بدور الضابط بسبب وعكة صحية.
رغب ضابط البحرية الامريكي ببنكيرتون في تكوين علاقة محض جنسية مع فتاة يابانية جميلة تدعى تشوتشوسان لم تتعد من العمر 15 عاما فرتب له وسيط زواج ينحدر من أوساط اجتماعية فاسدة فتاة غيشا من مدينة ناغازاكي كانت تنتمي في السابق الى فئات اجتماعية ثرية الى أن أوصلت محن اجتماعية واقتصادية شديدة عائلتها الى أسوأ حالات الفاقة والانهيار المجتمعي. لم يكترث ضابط البحرية بأحوال تلك الفتاة التي أطلقت عليها تسمية "الفراشة" من قبل. لكن وسيط الزواج الح على الالتزام بمراسم الزواج وان على نحو شكلي لا الزامي يتفق مع العادات والتقاليد السائدة. فهانت الأمور للضابط ووافق على عقد الزواج الذي سيكون حسب ارادته في أي وقت من الأوقات لاغي المفعول. كما لم ير في تلك الزيجة إلا وسيلة مسلية لقضاء أوقات الفراغ أثناء خدمته كملازم بالبحرية الأمريكية في الغربة الأسيوية النائية والغريبة فكرا وتقاليد وحضارة.
احضرت "الفراشة" جهاز العروس المكون من أشياء تذكارية مثالية أكثر منها مادية أهمها السيف الثمين الذي قدمه القيصر لأبيها لكي يتخذه وسيلة للانتحار إعرابا عن الوفاء بتقاليد الشرف والافتخار السائدة في البلاد. وهو السيف الذي سيلعب دورا هاما في نهاية هذه الاوبرا الدرامية. أخذت "الفراشة" علاقتها الزوجية المقبلة على محمل الجد على عكس الضابط الأمريكي . لهذا اعتنقت الديانة[AH1] المسيحية حبا له مما جعل عمها بونزو وسائر أقربائها يبغضونها ويرون في تصرفها امتهانا لكرامتهم وأعرافهم الدينية والأخلاقية كما لعنتها أرواح الأسلاف الذي ظهروا على منصة المسرح الاوبرالي بطريقة تعبيرية قوية تنم عن الغضب والاستياء مما أثار الرعب في نفسها. في هذه الأثناء عاد الضابط الى بلاده تاركا الفراشة ومعها ابنها الذي ولد ثمرة للعلاقة العاطفية القصيرة بينهما. دامت فترة الغياب ثلاث سنوات طويلة دون أن تستلم حتى رسالة وحيدة من بنكيرتون فيما ظلت الفراشة تترقب عودته بحنين واخلاص وترفض عروض أمير ياباني ولع بحبها بالزواج. كما ظلت متمسكة بطقوس الدين الجديد وباتت تعتبر نفسها أمريكية أولا وأخيرا وإن عانت كثيرا من الفقر والحنين وفقدان الامل. عاد الضابط أخيرا الى اليابان برفقةً زوجته الامريكية حيث لم يكن زواجه بالفراشة معترفا به قانونيا وكان فلكلوريا أكثر منه عقد زواج بالمفهوم الشرعي لاسيما أن القانون الياباني يعتبر الزواج في حالة ترك الرجل لزوجته فترة طويلة في حكم الطلاق. لهذا شاء النبيل الثري يامادوري كما سبق القول أن يتزوجها لكنها بقيت وفية ومخلصة للضابط الأمريكي. حلمت بعودته وحيدا حاملا شنطة معبأة بأثمن الهدايا وأخذ يعانقها ويعانق ابنهما بحنين شديد. لكنها اكتشفت بإحساس مر بأن الأمر لم يكن سوى حلم عابر طفيف.
قبل عودة الضابط الى ناغازاكي زارها القنصل وبدأ يتلو عليها بحذر واحساس مرهف رسالة تلقاها من زوجها يسأله فيها عما إذا كانت الفراشة ماتزال تتذكره وتحبه فقاطعته بشدة وبدهشة كبيرة معربة عن حبها واخلاصها له وهنا لم يتمالك القنصل نفسه فكف عن القراءة حزينا محبطا فيما هيمن عليه غضب شديد حيال استهتار الضابط. بالقيم الآسيوية. كان بنكرتون قد علم مؤخرا بأن الفراشة انجبت ولدا منه فجاء بصحبة زوجته الأمريكية "الشرعية". أصر الضابط على اصطحاب ابنه معه الى الولايات المتحدة وعرض عليها المال للتعويض عما مرت به من المحنة والاحباط لكن الفراشة وافقت على اصطحابه للابن المشترك على مضض وبإحساس حزين لكنها رفضت المال واعتبرت هذا العرض تدنيسا لقيمها الأخلاقية ولم تر مفرا بعد ذلك من الانتحار على الطريقة اليابانية (الهاراكيري) لأنها للم تتمكن من العيش مع هذا القدر من البؤس والمعاناة فقتلت نفسها بالخنجر الذي قتل به والدها نفسه. تأثر الضابط الجحود كثيرا وأنبه ضميره الى أقصى حد خاصة بعد أن قرأ ما كتبته الفراشة على الخنجر " الموت بشرف وكبرياء أفضل من حياة الذل والإهانة".
صمم مهندس الديكور هيلموت شتورمر Helmut stürmer أجواء اتسمت بطراز ياباني متميز وبخلفية مسرحية ساحرة نقلت الى الغرب أجواء آسيوية جذابة بل حتى اسطورية ورافقت الأزياء اليابانية التقليدية زاهية الألوان التي ألقت الأضواء على الجذور الأصلية للفنون الفولكلورية للقارة الآسيوية. كما برع المخرج في نقل الأصل الاوبرالي للموسيقار بوتشيني. هذا وقد اتسم اخراج الأوبرا على عكس العروض الماضية بالبساطة المبتعدة عن المبالغة الطنانة ونجح المخرج كثيرا في مزج التأثيرات الضوئية بصور الفيديو التعبيرية.
رأى بعض النقاد بأن "مدام بترفلاي" لا ترقى الى مستوى ملحمة فيردي "ريغوليتو" التي عرضت في بون هذا الموسم أيضا لكن هذا النقد غير محق لأنه لا يراعي بالشكل المطلوب الفروق الفنية والجوهرية بين طبيعتي الدراما لدى هذين العملاقين الموسيقيين حيث تتسم دراما فيردي بدرجة أعلى من الأبهة والبهاء فيما يميل بوتشيني الى الرومانسية العاطفية. اتسم اخراج الحركات رقصية الشكل Choreografie بالبراعة وحسن التنسيق بين الموسيقى وحركة الأجسام كما جاء التعبير التمثيلي متميزا على عكس الحال في عروض اوبرالية أخرى تميزت بحسن أصوات المغنين والمغنيات ولكن بقلة قدرتهم على التعبير التمثيلي.
عبر المخرج وكذلك معد النص المسرحي (دراماتورغ) بأسلوب مجازي عن معالم العنصرية والاستعلاء العرقي في الغرب تجاه الثقافات والتقاليد والأديان الأخرى كالبوذية أو الاسلام. الجدير بالذكر أن الأحكام المسبقة وحتى الكراهية تجاه الاسلام والمسلمين على سبيل المثال تتزايد حاليا على نحو غير مسبوق في المجتمعات الغربية التي يعيش فيها مغتربون ولاجئون مسلمون مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا.
شهد مسرح اوبرا مدينة بون كذلك عرضا أوبراليا رائعا للأوبرا الدرامية "ريغوليتو" Rigolettoالتي لحن موسيقاها جوزيبي فيردي الذي يمكن اعتباره الكثر شهرة وميلا للعزف الدرامي في كل انحاء العالم. وقد درج النقاد على اعتبار هذه الملحمة أكثر عمقا وبالتالي أبهر نجاحا من ملحمة بوتشيني "باترفلاي".
داخل ريغوليتو وهو مزيج بين الساحر وفكاهي الدوق ومن دبر له اجمل الفتيات لقضاء ساعات ممتعة من الجنس والغزل غرفة داخل قصر الدوق. بعد اكتشاف فتاة جميلة بشكل استثنائي في الكنيسة ، يسعى المهرج لإغرائها. يسخر ريغوليتو ، وهو الرجل الأيمن للدوق ، بالسخرية من الرجال الحاضرين ويرجو الدوق إما أن يسجنهم أو يقتلهم ، مما يسمح للدوق بحرية أن يكون مع من يشاء.
بعد رحيل ريغوليتو ، تصف ابنته غيلدا الذي اعتقد الآخرون بانها عشيقته شابًا رأته في الكنيسة إلى ممرضتها ، جيوفانا ، وتقول انها عشقته الى اكبر حد. وتعترف بذنبها لعدم إخبار والدها. تخبر غيلدا بانها تعشق هذا الشخص المجهول اعتقادا منها بأنه فقير ومخلص في الحب. ولم تدرك بعد بأن عشيقها هو الدوق الثري ذو السلطة الكاسحة.
بلغ الى سمع ريغوليتو ذلك فخاف على مصير ابنته وقرر ان يقتل الكونت. لكن الذي كلفهم بالقتل عمدوا بالخطأ الى قتل ابنته.
تميز الاخراج بالحداثة والغموض فلبس الرجال أزياء النساء كما ظهروا على مسرح الأوبرا كما لو كانوا مرضى في أحد المستشفيات الكبيرة. اما موسيقى فيردي فكانت كالمعتاد قمة من العظمة والابداع الفني المتميز.
عارف حجاج
ملحمة بوتشيني "مدام باترفلاي" Madame Butterfly
حول الحب المبني على سوء الفهم الثقافي
عبرت ملحمة بوتشيني „مدام باترفلاي" على سطح مياه بحيرة كونستانس في مدينة بريغنز النمساوية عن الفروق الثقافية والتراثية بين الشرق والغرب وأكسبت التقاليد الشرقية طابعا مثاليا يفوق ربما الواقع الحي. كما كشفت بأسلوب مجازي عن معالم العنصرية والاستعلاء العرقي في الغرب تجاه الثقافات والتقاليد والأديان الأخرى كالبوذية أو الاسلام. كتب عارف حجاج هذا التقرير حول أوبرا بوتشيني الشهيرة.
هناك آلاف المتاحف وأماكن التسلية والسياحة القائمة في الهواء الطلق. لكن مدينة بريغنز النمساوية تستضيف دارا للأوبرا على نحو لا مثيل له ربما في العالم كله. فهذه "الدار" ليست مبنى حقيقيا وانما منصة مسرحية متغيرة بحسب المقطوعة الأوبرالية تقع فوق مياه بحيرة كونستانس التي تجمع بين ثلاث دول مختلفة هي ألمانيا والنمسا وسويسرا. شهد المهرجان هذا العام رائعة الموسيقار الايطالي الشهير جاكومو بوتشيني المسماة „مدام باترفلاي" التي تجسد الحب والخيانة والتضحية. من الطريف أن البحيرة لم تكن محض كواليس جمالية بل استخدمت بين الحين والأخر كمشهد تمثيلي فرأينا على سبيل المثال وسيط الزواج المحتال يلجأ الى السباحة في البحيرة هربا من لعنات "مدام باترفلاي" التي رفضت عروضه المبنية على محض المصلحة الأنانية. لم يبخل المخرج الألماني من اصل مجري اندرياس هوموكي في هذه الدراما (مدام باترفلاي أي الفراشة) في نقد العقلية السائدة في الولايات المتحدة مستخدما العديد من القوالب النمطية فأظهر نمط الحياة في اليابان بسيطا وأصليا مقارنة بالصلف والغطرسة لدى ضابط بحرية أمريكي كلف بأداء مهمة عسكرية مؤقتة زمنيا في مدينة ناغازاكي اليابانية لفترة وجيزة.
رغب ضابط البحرية الامريكي ببنكيرتون في تكوين علاقة محض جنسية مع فتاة يابانية جميلة تدعى تشوتشوسان لم تتعد من العمر 15 عاما فرتب له وسيط زواج ينحدر من أوساط اجتماعية فاسدة فتاة غيشا من مدينة ناغازاكي كانت تنتمي في السابق الى فئات اجتماعية ثرية الى أن أوصلت محن اجتماعية واقتصادية شديدة عائلتها الى أسوأ حالات الفاقة والانهيار المجتمعي. لم يكترث ضابط البحرية بأحوال تلك الفتاة التي أطلقت عليها تسمية "الفراشة" من قبل. لكن وسيط الزواج الح على الالتزام بمراسم الزواج وان على نحو شكلي لا الزامي يتفق مع العادات والتقاليد السائدة. فهانت الأمور للضابط ووافق على عقد الزواج الذي سيكون حسب ارادته في أي وقت من الأوقات لاغي المفعول. كما لم ير في تلك الزيجة إلا وسيلة مسلية لقضاء أوقات الفراغ أثناء خدمته كملازم بالبحرية الأمريكية في الغربة الأسيوية النائية والغريبة فكرا وتقاليد وحضارة.
احضرت "الفراشة" جهاز العروس المكون من أشياء تذكارية مثالية أكثر منها مادية أهمها السيف الثمين الذي قدمه القيصر لأبيها لكي يتخذه وسيلة للانتحار إعرابا عن الوفاء بتقاليد الشرف والافتخار السائدة في البلاد. وهو السيف الذي سيلعب دورا هاما في نهاية هذه الاوبرا الدرامية. أخذت "الفراشة" علاقتها الزوجية المقبلة على محمل الجد على عكس الضابط الأمريكي . لهذا اعتنقت الديانة المسيحية حبا له مما جعل عمها بونزو وسائر أقربائها يبغضونها ويرون في تصرفها امتهانا لكرامتهم وأعرافهم الدينية والأخلاقية كما لعنتها أرواح الأسلاف الذي ظهروا على منصة المسرح الاوبرالي بطريقة تعبيرية قوية تنم عن الغضب والاستياء مما أثار الرعب في نفسها. في هذه الأثناء عاد الضابط الى بلاده تاركا الفراشة ومعها ابنها الذي ولد ثمرة للعلاقة العاطفية القصيرة بينهما. دامت فترة الغياب ثلاث سنوات طويلة دون أن تستلم حتى رسالة وحيدة من بنكيرتون فيما ظلت الفراشة تترقب عودته بحنين واخلاص وترفض عروض أمير ياباني ولع بحبها بالزواج منها. كما ظلت متمسكة بطقوس الدين الجديد وباتت تعتبر نفسها أمريكية أولا وأخيرا وإن عانت كثيرا من الفقر والحنين وفقدان الامل. عاد الضابط أخيرا الى اليابان برفقةً زوجته الامريكية حيث لم يكن زواجه بالفراشة معترفا به قانونيا وكان فلكلوريا أكثر منه عقد زواج بالمفهوم الشرعي لاسيما أن القانون الياباني يعتبر الزواج في حالة ترك الرجل لزوجته فترة طويلة في حكم الطلاق. لهذا شاء النبيل الثري يامادوري كما سبق القول أن يتزوجها لكنها بقيت وفية ومخلصة للضابط الأمريكي. حلمت بعودته وحيدا حاملا شنطة معبأة بأثمن الهدايا وأخذ يعانقها ويعانق ابنهما بحنين شديد. لكنها اكتشفت بإحساس مر بأن الأمر لم يكن سوى حلم عابر طفيف.
قبل عودة الضابط الى ناغازاكي زارها القنصل وبدأ يتلو عليها بحذر واحساس مرهف رسالة تلقاها من زوجها يسأله فيها عما إذا كانت الفراشة ماتزال تتذكره وتحبه فقاطعته بشدة وبدهشة كبيرة معربة عن حبها واخلاصها له وهنا لم يتمالك القنصل نفسه فكف عن القراءة حزينا محبطا فيما هيمن عليه غضب شديد حيال استهتار الضابط. بالقيم الآسيوية. كان بنكرتون قد علم مؤخرا بأن الفراشة انجبت ولدا منه فجاء بصحبة زوجته الأمريكية "الشرعية" التي أظهرها المخرج متعمدا على وتيرة مملة بشعة وكأنها يريد تحميلها مسؤولة المصير المحزن للفراشة. أصر الضابط على اصطحاب ابنه معه الى الولايات المتحدة وعرض عليها المال للتعويض عما مرت به من المحنة والاحباط لكن الفراشة وافقت على اصطحابه للابن المشترك على مضض وبإحساس حزين لكنها رفضت المال واعتبرت هذا العرض تدنيسا لقيمها الأخلاقية ولم تر مفرا بعد ذلك من الانتحار على الطريقة اليابانية (الهاراكيري) لأنها للم تتمكن من العيش مع هذا القدر من البؤس والمعاناة فقتلت نفسها بالخنجر الذي قتل به والدها نفسه. تأثر الضابط الجحود كثيرا وأنبه ضميره الى أقصى حد خاصة بعد أن قرأ ما كتبته الفراشة على الخنجر " الموت بشرف وكبرياء أفضل من حياة الذل والإهانة
صمم مهندس الديكور ميشائيل ليفين من الغلاف الورقي بطراز ياباني متميز خلفية مسرحية ساحرة نقلت الى الغرب أجواء آسيوية جذابة بل حتى اسطورية ورافقت ذلك الفيديوهات التعبيرية المستحدثة والأزياء اليابانية التقليدية زاهية الألوان التي ألقت الأضواء على الجذور الأصلية للفنون الفولكلورية للقارة الآسيوية. كما برع المخرج اندرياس هوموكي المدير الفني لدار أوبرا زيوريخ في التنسيق بين الأصل الاوبرالي للموسيقار بوتشيني والجو الرومانسي الحالم لبحيرة كونستانس. هذا وقد اتسم اخراج الأوبرا هذا العام على عكس العروض الماضية بالبساطة المبتعدة عن المبالغة الطنانة ونجح المخرج كثيرا في مزج التأثيرات الضوئية بصور الفيديو التعبيرية. وأبدعت عصمة الله يفا التي مثلت دور الفراشة وهي مغنية سوبرانو من جمهورية اوزبيكستان التي كانت تابعة في السابق للاتحاد السوفييتي.
رأى بعض النقاد بأن "مدام بترفلاي" لا ترقى الى مستوى ملحمة فيردي "ريغوليتو" التي عرضت في السابق على منصة البحيرة لكن هذا النقد غير محق لأنه لا يراعي بالشكل المطلوب الفروق الفنية والجوهرية بين طبيعتي الدراما لدى هذين العملاقين الموسيقيين حيث تتسم دراما فيردي بدرجة أعلى من الأبهة والبهاء فيما يميل بوتشيني الى الرومانسية العاطفية. اتسم اخراج الحركات رقصية الشكل Choreografie بالبراعة وحسن التنسيق بين الموسيقى وحركة الأجسام كما جاء التعبير التمثيلي متميزا على عكس الحال في عروض اوبرالية أخرى تميزت بحسن أصوات المغنين والمغنيات ولكن بقلة قدرتهم على التعبير التمثيلي. كما جاء مستوى غناء التينور Tenor (الضابط) على مرتبة عالية من القدرة المهنية. هذا وقد رافق العرض الاوبرالي كورال براغ وأوركسترا فيينا الفيلهارمونية ا بقيادة يي تشين لين من تيوان لتي أكسبت مهرجان بريغنز كالعادة طابعا فنيا متميزا.
عبر المخرج وكذلك معد النص المسرحي (دراماتورغ) بأسلوب مجازي عن معالم العنصرية والاستعلاء العرقي في الغرب تجاه الثقافات والتقاليد والأديان الأخرى كالبوذية أو الاسلام. الجدير بالذكر أن الأحكام المسبقة وحتى الكراهية تجاه الاسلام والمسلمين على سبيل المثال تتزايد حاليا على نحو غير مسبوق في المجتمعات الغربية التي يعيش فيها مغتربون ولاجئون مسلمون مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا.
أكبر المشاكل التي تواجهها "دار" الأوبرا لا تمت بأية صلة للفنون المسرحية أو الموسيقية بل تعود فقط لعوامل الطقس المتقلبة في دول وسط أوروبا حيث يكون الجو هادئا في بعض الأحيان وممطرا بشدة في أحيان أخرى. في حالة انهمار المطر الشديد يتعين على المتفرجين الانتقال من أماكن جلوسهم على ضفاف البحيرة الى قاعة تنقل لهم بوسائل الاعلام السمعية والبصرية بقية مشاهد الأوبرا، وهذا الأمر غير المستحب قد يأتي في بداية الأوبرا
عارف حجاج
أوبريت ألأرملة الطروب في دار الأوبرا لمدينة بون
أداء ناجح بين الأنغام وحوار المخاطبة
ألأرملة الطروب بالألمانية: Die lustige Witwe أوبريت من تأليف المؤلف الموسيقي النمساوي المجري فرانز ليهار اشترك في كتابة قصة الأوبريت فيكتور ليون وليو شتاين، اللذان اقتبسا فكرتها من مسرحية كوميدية عنوانها «الملحق الدبلوماسي» كتبها أديب فرنسي عام 1861. عُرض الأوبريت للمرة الأولى في مدينة فيينا في 30 ديسمبر 1905، وكان أول عمل لليهار يحقق نجاحًا ضخمًا، حتى أنه كان أشهر أوبريت على الإطلاق في زمنه. وقد اقتبس من هذا الأوبريت عدد من الأفلام بلغات مختلفة. منها فلم مصري (الأرملة الطروب). المبادرة جاءت من الموسيقار الفرنسي من أصل ألماني جاك اوفينباخ Jack Offenbach. لم تكن أوبريت «الأرملة الطروب» في دار أوبرا بون متعة للآذان فحسب، بل كانت متعة لكافة الحواس؛ فالإخراج والديكور والبلاتوهات الدائرة والملابس والألوان والأضواء كانت تكوِّن سيمفونية بصرية رائعة الجمال، ورقص الباليه وخاصة الرقص الثنائي لم يكن يَقِلُّ في شيء عن أرقى المستويات العالمية للأوبرا نفسها. غنى ممثل دور الكونت دانيلو يوهانس ميرتيس Johannes Mertes ودور الأرملة ماري هيسشين Marie Heeschen باتقان جمالي كبير كما أثار "مقدم البرنامج" كريستوف فاغنر ترينكفيتز Christoph Wagner-Trenkwitz بفكاهته ولباقته وبلاغته اعجاب الجمهور.
أَلَّف «ليهار» هذه الأوبريت عام 1905 وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، أي في عنفوان الشباب ومرحه المتوثب، وأفضل ألحانها من نوع رقص الفالس التي ذاعت ألحانها في العالم كله، وعَشِقَها شباب ورجال ونساء العالم كله، وعندما يسمع المرء تلك النغمات الأولى لتلك الفلسات Walzer حتى تجري بقية الأنغام في وجدانه ويتذكر أيام الشباب السعيدة المرحة التي قضاها الفنان في باريس، عندما لم يكن عشاق تلك الأغاني يعرفونها فقط بل يحفظونها حرفا بحرف ونغمة بنغمة. علما أن نغمات الفالس بوجه عامٍّ من النغمات السهلة التركيب الموسيقيِّ، الواضحة الإيقاع على نحوٍ يدنيها أقرب الدنوِّ من المزاجين الغربي والشرقي على حد سواء.
وأوبريت الأرملة الطروب بالغة الخفة والرهافة في موضوعها وألحانها الغنائية، وفِكْرتها الأساسية تقوم على حبٍّ عميق بين الشاب الأرستقراطي المولد دانيليو والأرملة «هنا» التي وَرِثَتْ عن زوجها عشرين مليونًا من الجنيهات، ظَنَّتْ أنها قد ارتفعت إلى المستوى الاجتماعي الذي يجعلها كفئًا لأن تتزوج من دانيليو الأزرق الدم، وأن تتغلب على معارضة عمه للزواج، ولكن فتانا تأخذه العزة بالإثم ويأبى كبرياؤه أن يُفْصِح لها عن حبه أو أن يَقْبَل الزواج منها بسبب المال. ويدور الصراع بين الطرفين حول الحب والكبرياء، وتتعاقب المواقف الغنائية بأعذب النغمات الرومانسية في دور الأرملة. أخيرا يعترف لها بحبه الخفي العميق ويتزوجان لاحقا. وبالرغم من أن الموسيقى تطغى دائمًا على الغناء المسرحي، بعكس ما يحدث في الأغنية؛ حيث يظل للنص الشعري مكانُه ورونقه وجماله، إلا أننا مع ذلك قد طربنا أجْمَلَ الطرب ونحن نتابع النص الذي نجح في الوئام بينه وبين الأنغام في يُسْر وروح مرهفة. يسرد هذا الأوبريت قصصاً وحكايات من التراث العريق في العهد الإمبراطوري في فيينا، وكان في السابق يحييه كبار نجوم الأوبرا الهنغارية على الرغم من أن الأوبريت تغنى بالألمانية، التي كانت اللغة الأساسية في الإمبراطورية النمساوية المجرية. ويتسم بإخراج عصري، وأزياء مبهرة، يجسد هويته الفنية بديكورات آسرة تعطي انطباعاً بالفخامة، وتنقل خيال الجمهور إلى عالم يغمر الحواس ببهجة التفاصيل ودهشة التنوع الدرامي، مع ألحان وأغاني حققت شهرة عالمية.
"مسرحية "فندق غوديسبيرغ
تناولت مسرحية "فندق غوديسبيرغ" شتى أوجه الحياة في ضاحية غوديسبيرغ التابعة للعاصمة الألمانية السابقة بون التي كانت المركز الدبلوماسي للعاصمة. سلطت المسرحية الأضواء على الذكريات والانطباعات التي شهدتها الضاحية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى انتقال العاصمة الى برلين. يلاحظ عارف حجاج أن تمجيد وادي نهر الراين لدى السكان والشعراء والموسيقيين يرافقه جدل مزدوج محتدم حول "الحي العربي" وتكاثر الأجانب الشرقيين في الضاحية.
عندما يطلع المتفرج على فلم سينمائي أو مسرحية درامية أو كوميدية ما فإنه يتلهف لاكتشاف قصة شيقة من بدايتها حتى نهايتها. أما من يزور المسرحية الفكاهية "فندق غوديسبيرغ" في مسرح مدينة بون الرئيسي الواقع تحديدا في الضاحية المذكورة فإنه يشعر منذ البداية بأن الرواية بتسلسلها الحافل بالمفاجآت والروايات الممتعة والتهكمية في بعض الأحيان لا تملك هيكلا تقليديا معتادا. انها على وجه التحديد عرض متنوع يشمل الأقاصيص والذكريات من جهة والعرض الموسيقي المتميز من جهة أخرى.
الجدير بالذكر أن غوديسبيرغ كانت حتى انتقال البرلمان والحكومة الاتحادية من بون الى برلين في أواخر القرن العشرين المقر الدبلوماسي للعاصمة السابقة، حيث احتضنت هذه الضاحية العدد الأكبر من السفارات الأجنبية ومساكن السفراء وغيرهم من الدبلوماسيين. ومع أن غوديسبيرغ اصبحت في غضون سبعينيات القرن الماضي من الناحية الإدارية جزأ من مدينة بون إلا أن سكانها ما زالوا يفتخرون بانتمائهم لها ويشعرون بأنهم يختلفون في بعض الجوانب عن سكان المدينة الأكبر بون دون استطاعتهم اعطاء براهين محددة على ذلك من نواحي الانتساب واللهجات والعادات والميول.
شارك في المسرحية على نحو غير معهود ممثلون وممثلات محترفون وبعض هواة التمثيل المسرحي المنحدرين من تلك الضاحية حيث أعطاهم كاتب المسرحية ومخرجها الفرصة للمشاركة في صياغة الحوار انطلاقا من معرفتهم الحميمة بأسرار غوديسبيرغ وخفاياها. احدى أفراد الكومبارس كانت تردد على وتيرة لازمات الأغاني والأناشيد التساؤل الرتيب التالي "لماذا يتسم الراين بكل هذا الجمال؟" ليرد عليها ضيوف الفندق الذي ضجروا من هذه اللازمة "لا يسعنا الاجابة على ذلك."
فندق غوديسبيرغ مرادف لما يسمى بالبيت الأبيض الواقع على ضفاف الراين وهو فندق دريزن Dreesen العتيد الذي اشتهر منذ عشرينيات القرن الماضي وما زال حتى اليوم من أشهر فنادق المنطقة. شهد الفندق في القرن الماضي ضيوفا مرموقين من رجالات السياسة والفن والأدب مثل الممثلة والمغنية الشهيرة الألمانية مارلينه ديتريش التي قاومت النظام النازي وممثلة هوليود الايقونية غريتا غاربو المنحدرة من أصول سويدية. كما أقامت ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية مرات عديدة في الفندق الذي شهد بجانب قصر "لا ريدوت" أشهر الاحتفالات والمراسم الدبلوماسية ابان تبوء بون لمركز العاصمة الألمانية. وكان من المترددين على هذا الفندق شخصان مختلفان تماما في العقلية والمنهج الفكري والسياسي هما أدولف هتلر الذي أقام في الفندق أكثر من عشرين مرة والفنان الكوميدي شارلي شابلن الذي أخرج فلما سمي "الديكتاتور الكبير" هزء فيه بشخص هتلر ونزوعه المرضي للإحساس بالعظمة والجنون. والمعروف أن هتلر النمساوي الأصل لم يولع ببرلين فكان يقضي عطله اما في جبال بافاريا أو على ضفاف نهر الراين. ورغم أانعدام الصلة بين ابن مدينة بون الموسيقار الشهير بيتهوفين وبين الفندق إلا انه خلد مع ذلك في مشهد يظهر نادل الفندق وهو يروي للموسيقار محتوى قائمة الطعام صارخا دلالة على أن بيتهوفين بات أصما. يرى المتفرج في مشهد آخر ضيفا يحمل قبعة على شكل زرافة دلالة على انعقاد الجلسات الدستورية الأولى في بون في متحف للحيوانات المحنطة بسبب افتقاد المدينة بعد سنوات الحرب العالمية الثانية مباشرة لمقرات أنسب.
شهد الفندق لقاءات سياسية على أعلى المستويات وكثيرا ما ألقيت فيه أو في صالات فاخرة أخرى كلمات الترحيب بضيوف كبار من شتى دول العالم. وبحكم أن وزير الخارجية السابق غنشر تبوأ هذا المنصب لمدة عقد ونصف فقد خلدته المسرحية ولو من قبيل المسرح الساخر فعرضت كلمة ألقاها ترحيبا بنظيره السعودي آنذاك الأمير سعود الفيصل اتسمت بالرتابة والضحالة والافتقار الى براعة البلاغة. وبالفعل اتسمت وما زالت الخطب المتبادلة في مثل هذه المناسبات تتسم في معظم أنحاء العالم بطابع روتيني واسترسال خال من المحتوى الجوهري.
تشتهر غوديسبيرغ بموقعها الرومانسي على ضفاف الراين مطلة على "الجبال السبعة" الشهيرة بغاباتها وقلاعها التي الهمت العديد من الشعراء مثل هاينريش هاينه والموسيقيين مثل ريشارد فاغنر للتغني بها وبنهر الراين في عدة ملاحم شعرية واوبرالية.
رغم الحزازات البسيطة القائمة بين بون وضاحيتها الكبيرة غوديسبيرغ فإن كلاهما يفتخران دوما بما يسمى "جمهورية بون" التي تميز عهدها بانتشار السلم والاستقرار السياسي والرخاء الاجتماعي في ألمانيا وأوروبا. لهذا تضمنت المسرحية التي ذكرنا سابقا بأنها كوميدية فاصلا واحدا عبرت فيه عن الحزن والاحباط بسبب انتقال السلطة الفيدرالية في أواخر القرن الماضي من "جمهورية بون" الى العاصمة القديمة برلين التي لا يضمر لها سكان منطقة وادي الراين أحاسيس المحبة والتقدير منذ أن أحكمت مملكة بروسيا السيطرة على هذه المنطقة ابتداء من عام 1822 لفترة تزيد عن 100 عام.
بجانب هذه النظرة الرومانسية للضاحية هناك جدل طويل مستدام فيها لا سيما منذ انتقال العاصمة الى برلين واختفاء وجوه الدبلوماسيين منها حول تكاثر عدد الافراد المنحدرين من أصول شرقية عامة وعربية مسلمة على وجه خاص. فالكثيرون يقولون بأن انتشار المطاعم والمخابز وغيرها من المحلات العربية جعل مركز المدينة يفتقد وجهه الألماني الأصلي. لكن البعض الأخر يشيد بوجود الأعداد الكبيرة ممن يسمون هناك ب "السياح المرضى" الذين ينفقون أموالا طائلة تعود على بون وضواحيها بالنفع الاقتصادي. وقد عزفت الجوقة الموسيقية قطعا رائعة طيلة الوقت مما أكسب المسرحية طابعا غنائيا محببا. وعزفت الجوقة بعض الأحيان مقطوعات شرقية أي عربية وفارسية مما أكسب الجدل حول "الحي العربي" صفتين مختلفتين إحداهما عرقية أي سلبية والأخرى نابعة من القناعة بأهمية تكريس الاندماج المجتمعي والفني بين الشعوب والثقافات المختلفة.
عارف حجاج
مسرحية "الحق في الشبيبة"
جرى نقاش حي والى حد ما حاد بين المخرج والممثلين مع الجمهور بعد مشاهدة القطعة المسرحية الدرامية المسماة "الحق في الشبيبة". حدث ذلك مؤخرا في المسرح الرئيسي للعاصمة القديمة بون. فبعد أن أثنى رجل مسن وعلى درجة عالية من الثقافة والمعرفة في صفوف الجمهور على المسرحية لكونها تتطابق مع روح العصر وأحداثه الآنية المزرية سياسيا واجتماعيا اعترض من ناحية أخرى على رسالة واضحة نقلها كاتب المسرحية ومخرجها فحواها أن الشرخ القائم في التطلعات والمصالح بين الأجيال القديمة والجديدة أمر حتمي لا يمكن التخلص منه. أضاف الرجل بأن هذه الرسالة لها وقع سلبي على العلاقة بين الأجيال لكونها تنفي ابديا احتمال التوافق بينها. أما المخرج فولكار لوش VOLKER LÖSCH فقد عبر في رده عن قناعته بأن الفروق في المصالح والأفاق قائمة بالفعل وبأنها في ازدياد مستدام ما لم يتم التوصل الى حلول مرضية لا فقط للكبار في السن والضالعين في شؤون الساسة والاقتصاد بل للشباب بصورة خاصة.
تعني مسرحية "الحق في الشبيبة" حق الشباب في تسيير أو المشاركة في تسيير كافة الأمور الحياتية والتغلب على تهميشهم وحرمانهم من بناء مستقبل أفضل مبني على العدالة الاجتماعية وحماية البيئة وازالة الأخطار المتعلقة بتغير المناخ. كتبت المسرحية اعتماد على عمل أدبي ألفه النمساوي برونين BRONNEN في مطلع القرن العشرين وجدده كيتشتاين KITTSTEIN بما يتطابق مع أحداث الحاضر. وكان الكاتب النمساوي قد أكد قبل أكثر من قرن على حق الشباب في تقرير مصير هم متنبئا بأن مشاكل عصره قد تبلغ في المستقبل حدا كارثيا. تخطى المخرج المشهور في الأوساط المسرحية لوش سن الشباب حيث يبلغ اليوم 60 عاما من العمر، إلا أنه يتعاطف كثيرا مع تنظيمات الشباب ومظاهراتهم المطالبة بحماية البيئة وتجاوز أخطار الكوارث المتعلقة بتغير المناخ كما أنه يتعاطف مع حركة "الجيل الأخير" التي نشطت مؤخرا في لفت الأنظار الى تلك المشاكل باستخدام العنف "الرقيق" كلصق أجسام المتظاهرين في أسفلت الطرق العامة والاعتداء الرمزي من جهة والاستعراضي من جهة أخرى على الأعمال الايقونية لفناني الرسم المشهورين مثل مونيه وغيرها من الذخائر المحفوظة في المتاحف المشهورة.
تتناول المسرحية كذلك الخلافات المستعرة داخل العائلة أي بين الأبوين والأبناء. تباه الابوان في المسرحية بالجهود التي بذلاها في تربية أولادهم ماديا ومعنويا وصحيا وشددا على حرصهما في الماضي والحاضر على التعامل المناسب مع البيئة والمواد الغذائية وعلى حماية كافة الكائنات الحية من الأخطار التي تعترض البيئة. رد الأولاد بأن تلك الجهود كانت سطحية دوما وأن التزام الاجيال القديمة بحماية البيئة والمناخ جاء من باب الكلام لا الفعل. كما رفض أنصار "الجيل الأخير" زعم أجيال الاباء والأمهات بأنها تأثرت في غضون ستينيات القرن الماضي بالأفكار اليسارية التنويرية التي أسسها أقطاب مدرسة فرانكفورت الفلسفية مثل ادورنو ADORNO وماركوزي وهوركهايمر. وكانت حجة الأبناء بأن هذا التبني كان محض سطحيا ونظريا وبعيدا تماما عن الاستعداد لإحداث تغييرات جذرية. كما رفض جيل الأولاد مزعم بعض الآباء والأمهات بأنهم خفضوا استهلاكهم للحوم وأصبحوا بالتالي أكثر حرصا على البيئة من قبل. فرأى جيل الأبناء بأن تلك الإجراءات لا ترقى الى المستوى المطلوب والضروري. هذا ويشمل رفض الجيل الأخير حتى حركة "الجمعة من أجل المستقبل" التي تتزعمها السويدية غريتا تونبيرغ GRETA THUNBERG بحجة أن أداة العصيان المدني لم تعد كافية في هذا العصر. الجدير بالذكر أن هذه الناشطة شاركت في التظاهرات التي شهدتها قرية لوتسيرات LÜTZERATH الصغيرة التي تم تدميرها احياء لمناجم الفحم الموجودة في أعماقها. لكن مشاركة حركة الجيل الأخير في التظاهر ضد تدمير القرية اتسمت بالتزام أكبر، الأمر الذي لم يخل من العنف سواء من جانبها أو من جانب أجهزة الشرطة.
عبرت المسرحية عن رفض حركة الجيل الأخير للتيارات السياسية السائدة في ألمانيا وكامل أوروبا. وعلى الرغم من أنها حركة يسارية الا أنها لا تفرق ازاء هذا الرفض بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي المسيحي. كما أنها تشعر بخيبة كبيرة تجاه حزب الخضر الذي بدأ حسب رؤيتها ملتزما الى أن شارك في الحكم وتأقلم مع التيار السائد. أما الخصم الأكبر للحركة فهو حزب الأحرار الذي تعتبره رمزا بشعا لليبرالية الاقتصادية الجديدة وسدا مانعا في وجه اجراءات حماية البيئة والمناخ.
عارف حجاج
مسرحية "الحق في الشبيبة"
جرى نقاش حي والى حد ما حاد بين المخرج والممثلين مع الجمهور بعد مشاهدة القطعة المسرحية الدرامية المسماة "الحق في الشبيبة". حدث ذلك مؤخرا في المسرح الرئيسي للعاصمة القديمة بون. فبعد أن أثنى رجل مسن وعلى درجة عالية من الثقافة والمعرفة في صفوف الجمهور على المسرحية لكونها تتطابق مع روح العصر وأحداثه الآنية المزرية سياسيا واجتماعيا اعترض من ناحية أخرى على رسالة واضحة نقلها كاتب المسرحية ومخرجها فحواها أن الشرخ القائم في التطلعات والمصالح بين الأجيال القديمة والجديدة أمر حتمي لا يمكن التخلص منه. أضاف الرجل بأن هذه الرسالة لها وقع سلبي على العلاقة بين الأجيال لكونها تنفي ابديا احتمال التوافق بينها. أما المخرج فولكار لوش VOLKER LÖSCH فقد عبر في رده عن قناعته بأن الفروق في المصالح والأفاق قائمة بالفعل وبأنها في ازدياد مستدام ما لم يتم التوصل الى حلول مرضية لا فقط للكبار في السن والضالعين في شؤون الساسة والاقتصاد بل للشباب بصورة خاصة.
تعني مسرحية "الحق في الشبيبة" حق الشباب في تسيير أو المشاركة في تسيير كافة الأمور الحياتية والتغلب على تهميشهم وحرمانهم من بناء مستقبل أفضل مبني على العدالة الاجتماعية وحماية البيئة وازالة الأخطار المتعلقة بتغير المناخ. كتبت المسرحية اعتماد على عمل أدبي ألفه النمساوي برونين BRONNEN في مطلع القرن العشرين وجدده كيتشتاين KITTSTEIN بما يتطابق مع أحداث الحاضر. وكان الكاتب النمساوي قد أكد قبل أكثر من قرن على حق الشباب في تقرير مصير هم متنبئا بأن مشاكل عصره قد تبلغ في المستقبل حدا كارثيا. تخطى المخرج المشهور في الأوساط المسرحية لوش سن الشباب حيث يبلغ اليوم 60 عاما من العمر، إلا أنه يتعاطف كثيرا مع تنظيمات الشباب ومظاهراتهم المطالبة بحماية البيئة وتجاوز أخطار الكوارث المتعلقة بتغير المناخ كما أنه يتعاطف مع حركة "الجيل الأخير" التي نشطت مؤخرا في لفت الأنظار الى تلك المشاكل باستخدام العنف "الرقيق" كلصق أجسام المتظاهرين في أسفلت الطرق العامة والاعتداء الرمزي من جهة والاستعراضي من جهة أخرى على الأعمال الايقونية لفناني الرسم المشهورين مثل مونيه وغيرها من الذخائر المحفوظة في المتاحف المشهورة.
تتناول المسرحية كذلك الخلافات المستعرة داخل العائلة أي بين الأبوين والأبناء. تباه الابوان في المسرحية بالجهود التي بذلاها في تربية أولادهم ماديا ومعنويا وصحيا وشددا على حرصهما في الماضي والحاضر على التعامل المناسب مع البيئة والمواد الغذائية وعلى حماية كافة الكائنات الحية من الأخطار التي تعترض البيئة. رد الأولاد بأن تلك الجهود كانت سطحية دوما وأن التزام الاجيال القديمة بحماية البيئة والمناخ جاء من باب الكلام لا الفعل. كما رفض أنصار "الجيل الأخير" زعم أجيال الاباء والأمهات بأنها تأثرت في غضون ستينيات القرن الماضي بالأفكار اليسارية التنويرية التي أسسها أقطاب مدرسة فرانكفورت الفلسفية مثل ادورنو ADORNO وماركوزي وهوركهايمر. وكانت حجة الأبناء بأن هذا التبني كان محض سطحيا ونظريا وبعيدا تماما عن الاستعداد لإحداث تغييرات جذرية. كما رفض جيل الأولاد مزعم بعض الآباء والأمهات بأنهم خفضوا استهلاكهم للحوم وأصبحوا بالتالي أكثر حرصا على البيئة من قبل. فرأى جيل الأبناء بأن تلك الإجراءات لا ترقى الى المستوى المطلوب والضروري. هذا ويشمل رفض الجيل الأخير حتى حركة "الجمعة من أجل المستقبل" التي تتزعمها السويدية غريتا تونبيرغ GRETA THUNBERG بحجة أن أداة العصيان المدني لم تعد كافية في هذا العصر. الجدير بالذكر أن هذه الناشطة شاركت في التظاهرات التي شهدتها قرية لوتسيرات LÜTZERATH الصغيرة التي تم تدميرها احياء لمناجم الفحم الموجودة في أعماقها. لكن مشاركة حركة الجيل الأخير في التظاهر ضد تدمير القرية اتسمت بالتزام أكبر، الأمر الذي لم يخل من العنف سواء من جانبها أو من جانب أجهزة الشرطة.
عبرت المسرحية عن رفض حركة الجيل الأخير للتيارات السياسية السائدة في ألمانيا وكامل أوروبا. وعلى الرغم من أنها حركة يسارية الا أنها لا تفرق ازاء هذا الرفض بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي المسيحي. كما أنها تشعر بخيبة كبيرة تجاه حزب الخضر الذي بدأ حسب رؤيتها ملتزما الى أن شارك في الحكم وتأقلم مع التيار السائد. أما الخصم الأكبر للحركة فهو حزب الأحرار الذي تعتبره رمزا بشعا لليبرالية الاقتصادية الجديدة وسدا مانعا في وجه اجراءات حماية البيئة والمناخ.
عارف حجاج